تشيرنوبيل تحترق من جديد: حين توقظ نيران الحرب شبح الإشعاع

مقالة صحفية | بقلم: ريما صوفي

قبل أن يدرك العالم فداحة ما حدث، كان الظل الأسود يتسلل فوق الغطاء العملاق الذي يحمي بقايا المفاعل الرابع. لم تكن الساعة قد تجاوزت الثانية من صباح الرابع عشر من فبراير/شباط 2025، حين اخترقت طائرة مسيّرة محمّلة بالمتفجرات هيكل “الغطاء الآمن الجديد” في تشيرنوبيل، لتُحدث ثقبًا بمساحة 15 مترًا مربعًا، وتُشعل حريقًا استمر لأسابيع في ذاكرة المكان قبل أن ينطفئ بأيدي رجال الإطفاء.

في ذلك الموقع الذي يحبس أنفاس العالم منذ تسعةٍ وثلاثين عامًا، حيث يرقد قلب المفاعل المنصهر تحت أطنان من الفولاذ والخرسانة، عاد الخطر ليُقرع الأبواب من جديد. هذه المرة، لم يكن الخلل تقنيًا ولا الخطأ بشريًا، بل كان صاروخ طائش في حرب لا ترحم.

غطاء مثقوب وذاكرة مشروخة

شُيِّد “الغطاء الآمن الجديد” عام 2016 بتكلفة فاقت ملياري دولار، ليحل محل التابوت الخرساني المتآكل الذي بُني على عجل بعد كارثة 1986. كان هذا الإنجاز الهندسي، الأكبر من نوعه في العالم، بمثابة وعد للبشرية بأن كابوس الإشعاع قد طُوِّق إلى الأبد. لكن ضربة واحدة كانت كافية لخرق الدرع. تشير تقديرات البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية إلى أن إعادة التأهيل الكامل ستحتاج إلى قرابة 585 مليون دولار، وهو مبلغ يكاد يوازي بناء مفاعل أبحاث صغير، أو تمويل برنامج صحي لأمة بأكملها.

تحت القبة المعدنية المتضررة اليوم، تعطلت أنظمة تكييف المناخ الحيوية، مما يهدد ببدء عملية تآكل لا رجعة فيها للهياكل الداعمة، وهو ما يُنذر بكارثة بيئية بطيئة إذا لم تُستكمل الإصلاحات قبل عام 2030.

شهادة ميلاد الكارثة

لطالما زرت تشيرنوبيل في أحلامي قبل أن أزورها في يقظتي. هناك، في بريبيات المهجورة، تقف عجلة الملاهي صدئة، شاهدةً على يوم وعد فيه الآباء أطفالهم بمستقبل مشرق، قبل أن يأتي أمر الإخلاء في الساعات التي تلت الانفجار. أكثر من مئة ألف شخص غادروا ديارهم إلى الأبد، ونصف مليون “مُصفٍّ” ساروا نحو قلب الموت لتطويق الكارثة، دفع العشرات منهم حياتهم ثمنًا مبكرًا، فيما حمل آخرون جراح الإشعاع في نخاع عظامهم حتى الرمق الأخير.

لم تكن تلك سوى البداية. اليوم، وبينما يحتدم القتال على بُعد مئات الكيلومترات، يبدو أن الحرب قررت ألا تترك الماضي يرقد بسلام. الغارة التي استهدفت الغطاء الآمن لم تخترق فقط الفولاذ، بل اخترقت أيضًا الحاجز النفسي الذي طمأن العالم بأن أحطاب الحرب لن تصل إلى الذرة.

رسالة من قلب اللهب

في وقت تؤكد فيه الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن مستويات الإشعاع ما تزال ضمن الحدود الآمنة، يبقى السؤال الأعمق معلقًا: إلى متى؟ فالثقب في غلاف تشيرنوبيل ليس مجرد فجوة في هيكل معدني، بل هو فجوة في منطق الإنسانية. إنه تذكير صارخ بأن النفايات النووية التي خلّفها طموح القرن العشرين ما تزال قابلة للاشتعال بأعقاب سجائر الحروب الحديثة.

نحن لا ندفع اليوم 585 مليون دولار لإصلاح سقف، بل ندفع ثمن استمرار الجنون. في بريبيات، ثمة نباتات خضراء اخترقت الإسفلت، تتحدى الإشعاع بصمت. أما نحن البشر، فما نزال نخترق بعضنا البعض بالصواريخ، غير آبهين بمن ترقد أشباحهم تحت رماد عام 1986، تنتظر من يوقظها.

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى